مهدى مهريزى و على صدرايى خويى

291

ميراث حديث شيعه

في ذلك بناء على الخلاف في تفسير « حَقَّ تُقاتِهِ » ، فمن فسّره بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله جعله منسوخاً بقوله تعالى : « مَا اسْتَطَعْتُمْ » « 1 » ؛ لأنّ الأوّل غير داخل في الوسع والطاقة . ومن فسّره بغاية الوسع والطاقة ، جعله محكماً ، وجعل قوله تعالى : « مَا اسْتَطَعْتُمْ » مفسّراً له لا ناسخاً . و « حَقَّ تُقاتِهِ » منصوب على المصدر ، تقديره : تقاةً حقّاً ، أو تقاةً حقّ تقاته ، نظيره قولك : ضربته أشدّ الضرب ، أي : ضرباً شديداً ، أو ضربته ضرب الأمير ، أي : ضرباً مثل ضرب الأمير .

--> قال في مناهل العرفان ما حاصله : إنّها غير منسوخة ؛ فإنّ معنى تقوى اللَّه حق تقاته هو الإتيان بما يستطيعه المكلّفون ، دون ما خرج عن استطاعتهم ، وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين ، بل تكون إحداهما مفسّرةً للُاخرى ، فلا نسخ . ولكنّ الذي يبدو لنا هو أنّ المستفاد من قوله : « حَقَّ تُقاتِهِ » أمر أعظم وأشدّ مما يستفاد من قوله تعالى : « مَا اسْتَطَعْتُمْ » ، وكأن الآية الأولى تدلّ على أنه يجب تحصيل ما أراده اللَّه تعالى وأحبّه ، وترك ما نهى عنه وأبغضه بأيّ وجه أمكن وبأيّ طريق ، فلابد من أن يتحرز المكلف من النسيان والغفلة ، ولو بالاحتياطات الشاقة التي تمنع ذلك ، ومعلوم أنّ هذا أمر صعب جدّاً . وأما الآية : « مَا اسْتَطَعْتُمْ » فهي تخفِّف ذلك ، وتقول : إننا الآن نطلب منكم قدر وسعكم ، أي بمقدار الوسع العرفي لا العقلي . فحينئذٍ يكون بين الآيتين تعارض ، فلابد من القول بالنسخ . وهذا المعنى هو الذي يظهر من كل مورد وقع فيه نظير هذا التعبير ، كقوله تعالى : « ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » ، وقوله سبحانه : « فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها » . وكقول الإمام عليه السلام لمعاوية بن وهب : يا معاوية ، ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك اللَّه ويأكل نعمته ثم لا يعرف اللَّه حق معرفته . ومن المعلوم أن معاوية بن وهب - مع جلالته وعظم شأنه - لم يكن يفقد المعرفة المتعارفة باللَّه عز وجل ، وإنما استحقّ العتاب منه عليه السلام بسبب عدم وصوله إلى حق المعرفة التي ترتفع عن مستوى المعرفة المتعارفة . إذن ، فيستفاد من كلمة « حَقَّ تُقاتِهِ » درجة من التقوى تزيد على الدرجة التي تستفاد من قوله : « مَا اسْتَطَعْتُمْ » . فتكون هذه ناسخة لتلك . هذا بالإضافة إلى أنه قد روي عدد من الروايات الدالة على النسخ في هذه الآية عن أئمة الهدى عليهم السلام ، ونحن نذكر على سبيل المثال ما رواه السيد هاشم البحراني بسند صحيح عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن قول اللَّه عز وجل : « اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ » قال : يطاع ولا يعصى ، ويذكر ولا ينسى ، ويشكر ولا يكفر . وما رواه أيضاً في حديث آخر أنه عليه السلام قال : « اتَّقُوا اللَّهَ » منسوخة ، قلت : وما نسخها ؟ قال : قول اللَّه : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » . إلى غير ذلك من الروايات الدالة على النسخ عن أهل البيت عليهم السلام . ( 1 ) . سورة التغابن ، الآية 16 .